السيد عباس علي الموسوي
304
شرح نهج البلاغة
كما أنه دخل في عيونهم فأصبحوا لا يبصرون إلا ما يزينه لهم وما يرغبهم فيه من الحرام . وكذلك وسوس لهم في أسماعهم عن الدنيا وزينتها ورغبهم فيها فانصرفوا إليها معرضين عن الآخرة . وقد كانت نتيجتهم أن تحولوا إلى هدف يرميه بشتى الانحرافات والميول والأهواء يزرع فيهم سهام الحقد والحسد والغل . كما جعلهم موطى ء قدمه فأذلّهم أشد الإذلال وأهانهم أعظم الإهانة وهل هناك أشد إذلالا ممن تدوسه الأقدام . كما جعلهم أسراء تحت يده يتصرف بهم لصالحه كيف يشاء يحولهم إلى أداة شيطانية مسخرة لمصالحه الخبيثة . . . ( فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللّه وصولاته ووقائعه ومثلاته واتعظوا بمثاوي خدودهم ومصارع جنوبهم ) خذوا العظة والعبرة بما أصاب الأمم السابقة المستكبرة والعاقل من اعتبر بغيره وأخذ الدرس ممن ابتلى وأنتم خذوا العبرة ممن كانوا قبلكم من فرعون وقومه ونمرود وقوم عاد وثمود فإنهم استكبروا على اللّه وتمردوا على إرادته ورفضوا أوامره فأخذهم أخذ عزيز مقتدر أخذهم بالعذاب الشديد وأنزل بهم العقوبات فمنهم من أرسل عليه السيل ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم خسف به الأرض وهكذا دواليك ثم أمرهم أن ينظروا إلى مصيرهم من الأرض ويأخذوا العظة من ذلك الموقع الرهيب . . . ينظروا كيف أضحت تلك الخدود الناعمة التي كانت لا تنام إلا على الحرير كيف أضحت تنام على التراب ممرغة بالرغام وانظروا إلى أماكن تواجد هذه الجثث كيف يفزع الحي من تصور نفسه فيها فليستعد المسلم لمثل ما أصابهم إن هو عصى اللّه وتمرد على حكمه . . . ( واستعيذوا باللهّ من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدهر ) أمرهم أن يستعينوا باللهّ ويلتجئوا إليه أن ينجيهم من آثار التكبر ومخلفاته وما يتركه في النفوس ويولده في القلوب وهو لشدة خطره يجب أن يستعيذوا منه كما يستعيذوا من حوادث الدهر وفجائعه ومصائبه . ( فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه ولكنه سبحانه كرهّ إليهم التكابر ورضي لهم التواضع ) فالتكبر باعتباره صفة ذميمة وعادة قبيحة لم يرخص فيها اللّه لأحد من عباده بل منعهم عن ارتكابها ولو كان يسمح لأحد من خلقه